عماد الدين خليل
114
دراسة في السيرة
[ 3 ] وفي تجربة الهجرة يتنزل نصر اللّه ، فعلا مباشرا مرئيا ، ثلاث مرات . . فيما عدا خط الهجرة والتاريخ كله حيث إرادة اللّه التي لا رادّ لها . . لكننا هنا نريد أن نشير إلى أفعال اللّه المباشرة في هجرة رسوله صلى اللّه عليه وسلم . مرة لدى مغادرته داره في أعقاب ليل مريع ، أحاط أبناء القبائل المسلحون طيلة ساعاته بدار الرسول ينتظرون اللحظة التي سيطيحون فيها برأسه ويفرقون دمه بين القبائل . . إلا أن هذه اللحظة السوداء لم تجىء ولن تجيء . لقد فتح الرسول صلى اللّه عليه وسلم الباب على مصراعيه وراح يقرأ آيات من سورة يس : يس . وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ . إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ . لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ . وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ « 1 » ! ! . . وعبر هذا السدّ الذي أغشى به اللّه أبصار المشركين انطلق الرسول ورفيقه إلى الهدف . . على الصراط المستقيم . ومرة أخرى عند الغار . . وما أخطر ساعات الغار بأيامها ولياليها . لقد رأى أبو بكر بأم عينيه نعال المشركين المطاردين الحانقين تخفق عند أسفل الغار ، فارتعد فرقا . . ليس على نفسه ، فما أهون النفس على أصحاب رسول اللّه ، وعلى رفيقه وصدّيقه بالذات ! لكن على الرسول نفسه ، وعلى ما يمثله الرسول . فيهمس في أذنه « لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا ! ! » ، ويجيء رد الرسول منبثقا عن تلك اللحظات العليا حيث يقف اللّه مع عباده يدفع عنهم : « يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما ؟ » . . وتطيش ألباب المشركين ، وعبثا يرهق مقتفو الآثار أنفسهم . . إن الرسول ورفيقه في حماية اللّه . . وكفى . . ودون الوصول إليه المستحيل . . ولو اجتمعت جنود الأرض كلها عند الغار تطالب برأسه . . وما أروع كلمات اللّه وهو يعلن هذه الحماية التي لا حماية بعدها : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ « 2 » .
--> ( 1 ) سورة يس : الآيات 1 - 9 . ( 2 ) سورة التوبة : الآية 40 .